روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
425
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال صلى اللّه عليه وسلم : « من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ، ومن أبغض لقاء اللّه أبغض اللّه لقاءه » « 1 » . وقال الجنيد : المحب يكون مشتاقا إلى مولاه ، ووفاته أحب إليه من البقاء ؛ إذ علم أن فيه الرجوع إلى مولاه ، فهو متمني الموت أبدا ، وذلك قوله : إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ إلخ . قوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ : لما جرى حديث البيع والتجارة دعاهم إلى ذكره بنعت السرعة والاستباق ، وإلا دعا الكل في الأزل إلى نفسه ، فإن الذكر عند المذكور حجاب ، والسعي إلى الذكر مقام المريدين ، والمحقق في المعرفة غلب عليه ذكر اللّه إياه بنعت تجلي نفسه لقلبه . قال النصرآبادي : العوام في قضاء الحوائج في الجمعات ، والخواص في السعي إلى ذكره لاستغنائهم بالغنى لم يبق لهم حاجة لعلمهم بالمقادير قد جرت ، فلا زيادة فيها ولا نقصان ، لكنهم يسعون إلى ذكره سعي مشتاق إلى مذكوره ، يطلب منه محل قربة إليه والدنو منه . قوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ : إذا فرغتم من مشقة العبودية فانتشروا في الأرض إلى طلب أوليائي ، وجالسوهم ؛ لتستفيدوا من لقائهم وكلامهم ، الفوائد الغيبية ، والأنباء الملكوتية ، واجلسوا في مجلس السماع والقول ، فهناك فضل اللّه من الخطاب ، وكشف النقاب . وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ، أي : إذا فرغتم من جميع ذلك غيبوا بأرواحكم وقلوبكم وعقولكم في بحار الأولية والآخرية ، واذكروه به لا بكم ، واتركوا الذكر هناك بعد رؤية المذكور . قوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً : أخبر اللّه سبحانه أنهم في أوائل إرادتهم إذا لم يبلغوا إلى حد الاستقامة في الصحبة ، شغلتهم حوائج النفوس عن صحبة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فعاتبهم اللّه بذلك ، وأمره بأن يخبرهم أن ما عند اللّه من مشاهدته ولقائه ولذّة خطابه ومناجاته خير من جميع الحظوظ بقوله : قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ ، وفيه تأديب المريدين حين اشتغلوا عن صحبة المشايخ بخلواتهم وعباداتهم لطلب الكرامات ، ولم يعلموا أن ما يجدون في خلواتهم بالإضافة إلى ما يجدون في صحبة مشايخهم . قال سهل : من شغله عن ربه شيء من الدنيا والآخرة فقد أخبر عن خسّة طبعه ورذالة
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2386 ) ، ومسلم ( 4 / 2065 ) .